مجلة اجتماعية متنوعة شاملة تصدر شهرياً عن وكالة ASWAJ للعلاقات العامة والدعاية والإعلان - الناشر ورئيس التحرير عبدالله بن علي آل عسوج

546 مشاهدة
0 تعليق

(العنف الأسري في السعودية يؤثر سلباً على الاقتصاد)

الدكتور وليد السعدون
A+ A A-

أكد الدكتور وليد بن عيسى السعدون الباحث في قضايا العنف الأسري بأن البعد الاقتصادي لمشكلة العنف الأسري في السعودية له أربعة محاور،وقد تطرق لها في رسالة الدكتوراه المعنونة بـ”الجهود الدعوية الواقية من العنف الأسر ي”، والتي أثارت جدلاً بين رجال الاقتصاد في السعودية باعتبارها الرسالة الأولى التي تتطرق وتربط بين ظاهرة اجتماعية واقتصادية وكانت المحاور المتعلقة بالاقتصاد كتالي: المحور الأول فهو عن: العنف الاقتصادي كأحد أنواع العنف الأسري، والمحور الثاني: الدوافع الاقتصادية الأكثر شيوعا والمؤدية لحدوث العنف الأسري، والمحور الثالث: الآثار والتداعيات الاقتصادية للعنف الأسري، والمحور الرابع : أبرز الحلول الموضوعية ذات البعد الاقتصادي للحد من مشكلة العنف الأسري.
وتحدث السعدون في المحورالأول بأن مفهوم العنف الاقتصادي كأحد أنواع العنف الأسري هو : ” كل سلوك عدواني متعمد يحدث بين أفراد الأسرة، ويتضمن الاستيلاء على الممتلكات أو الحقوق المالية لفرد أو أكثر في الأسرة؛ مما ينتج عنه الضرر المادي” .
و أشارت نتائج إحدى الدراسات حول درجة انتشار أنواع العنف الأسري في المجتمع السعودي، بأن العنف الاقتصادي يحتل الدرجة الثانية من بين أنواع العنف الأسري بعد العنف اللفظي، وقد أظهرت دراسة علمية أن30% من المتزوجات في السعودية يتعرضن للعنف الاقتصادي. ومن أبرز صور العنف الاقتصادي ما يلي :
1-السلوك الإنفاقي الخاطيء، ومن مظاهره : عدم قيام الزوج بواجبه في الإنفاق على زوجته وأطفاله رغم مقدرته المادية، وأيضا تبذير المرأة لمال زوجها، وكذلك عدم تحقيق الزوج المعدد للعدل في الإنفاق بين زوجاته وأولاده ؛ الأمر الذي يؤدي إلى وقوع الطلاق، وتشير إحدى الدراسات أن حوالي 55% من حالات الطلاق بدول الخليج العربي ترجع أسبابها إلى عدم العدل المادي بين الزوجات.
2- الإستيلاء على الأموال والممتلكات، ومن أبرز مظاهره : سرقة الأموال، واستيلاء الزوج أو الأب أو الأخ على ممتلكات المرأة ، أو راتبها إن كانت موظفة، أو إجبارها على التنازل عن حقوقها المادية، كحقها في المهر والنفقة والمسكن، وكذلك الحجر على المسن بغير وجه شرعي.

3-رفض الزوج تطليق زوجته- مع وجود دواعيه الشرعية-؛ لإجبارها على الخلع.
4-حرمان الورثة من الميراث -خصوصا المرأة والأطفال القُصَّر-، أو تأخير قسمته .
ولفت الدكتور السعدون إلى أن من أبرز أنواع الدوافع الاقتصادية التي قد تدفع لارتكاب العنف الأسري : الفقر، والبطالة، و الظروف السكنية السيئة، و سفر عائل الأسرة لمدة طويلة للعمل وطلب الرزق، وعدم وعي الأسرة بأهمية وجود ميزانية متوازنة تنظم موارد ومصروفات الأسرة في ظل محدودية الدخل المادي، ومن مظاهر ذلك المبالغة في زيادة المشتريات الاستهلاكية، الأمر الذي يغرق الأسرة في ديون وأزمات مالية ، وتشير إحدى الدراسات المالية أن (79%) من الأسر السعودية لجأت للقروض البنكية لتأمين متطلباتها المعيشية, كان بالإمكان تجنب تلك القروض لو تم تنظيم ميزانيات هذه الأسر وفق ظروفها ومداخيلها، وقد أثبتت إحدى الدراسات العلمية عن العنف الأسري ضد المرأة: أن الدافع الاقتصادي، المتمثل في عدد من العوامل منها:عدم القدرة على الإنفاق، والبطالة، من أخطر دوافع العنف ضد المرأة إذ يشكل (45.6 %) من دوافع العنف الأسري.
وما تقدم ذكره لا يعني أن الوضع الاقتصادي المرتفع يحصن أفراد الأسرة من العنف الأسري، فهناك حالات من العنف الأسري تحدث في نطاق أسر ذات مستوى اقتصادي مرتفع.
وحول الآثار الإقتصادية للعنف الأسري يقول السعدون : “تكمن خطورتها في أن ضررها البالغ لا يقتصر على أفراد الأسرة المُعَنَّفين فحسب، بل يمتد ليشمل اقتصاد الأسرة، والمجتمع ،والاقتصاد الوطني ،سواء على المدى الزمني القصير أو البعيد ، ومنها مايلي :
أولاً: الآثار والتداعيات الاقتصادية على الفرد والأسرة ، ومنها:
¬-عدم قيام الزوج بواجبه الشرعي في الإنفاق على زوجته وأطفاله، يضطر الزوجة إلى أن تعيل نفسها وأطفالها، وتكون التداعيات أشد إيلاما إذا لم يكن لدى الزوجة مصدر دخل ثابت، وأسوأ ما في الأمر اضطرار الزوجة المعنفة للسكوت عن العنف الممارس عليها من قبل زوجها؛ لأنها ترى أن تكلفة الطلاق ستكون أفدح من البقاء تحت وطأة العنف.
-وقوع الطلاق كأحد تداعيات العنف الأسري، يصيب الأسرة بالتفكك ويضر باقتصادها فيضطر أحد الزوجين أو كلاهما إلى استئجار مسكن جديد وتجهيزه، إضافة إلى تحمل الرجل دفع النفقة الواجبة، وهذه التكاليف تزيد من أعباءهما المالية؛ الأمر الذي يضطرهما للإقتراض، وفي إحصائية عام 2008م بلغ عدد المقترضين السعوديين من البنوك والمصارف التجارية 1,48 مليون مقترض ، وهؤلاء يمثلون 89,5% من إجمالي عدد العاملين في القطاعين الحكومي والخاص، ويمكن اعتبار الطلاق من أهم العوامل المؤدية لفقر المرأة المطلقة.
– إدمان وتعاطي المخدرات والمسكرات ، وقد دلت الدراسات أن 50- 80 % من الأسر التي تتعرض للعنف يوجد فيها آباء يتعاطون المخدرات والمسكرات ينفقون أموال الأسرة في شراء المخدرات بدلا من توفير الحاجات المعيشية؟! وقد دلت إحدى الدراسات أن نسبة ممارسة المدمنين للعنف في نطاق أسرهم يزيد سبعة أضعاف عن الأسر الأخرى، وبالتالي زيادة التكاليف التي تتكبدها الأسرة.

ثانيا: الآثار والتداعيات الاقتصادية على اقتصاديات الدول :
يستنزف العنف الأسري أموالا ضخمة من ميزانيات الدول؛ لمكافحته والحد منه ، كان من الممكن استثمارها في المشروعات الخدمية والانتاجية التي تحسن من مستوى معيشة المواطنين، ويمكن القول بأن التكاليف الاقتصادية للعنف الأسري تنقسم إلى قسمين:
1-التكاليف المباشرة: وهي تكاليف الخدمات العامة، ومن أبرزها:خدمات الرعاية الصحية:كالخدمات التي تقدم في أقسام الطوارئ والعمليات الجراحية، والعيادات التخصصية، والأدوية ،وبرامج التأهيل العلاجية والنفسية ..،وتكاليف الخدمات الإجتماعية، كخدمات الضمان الإجتماعي، والحماية الاجتماعية..،وتكاليف الخدمات العدلية والأمنية:كخدمات المحاكم الشرعية التي تنظر في هذه القضايا ،وخدمات مراكز الشرط، والسجون ، والخدمات الاستشارية والقانونية ..
التكاليف غير المباشرة : منها :اضطرار أحد الزوجين أو كلاهما بعد حدوث الطلاق نتيجة للعنف الأسري، إلى الانتقال إلى مسكن جديد ،الأمر الذي يترتب عليه حدوث أزمة في الإسكان والعقارات وزيادة في الاجارات، مما يزيد من القيمة السوقية للعقارات ، هذا فضلاً عن أن السكن الجديد يستلزم شراء الأدوات اللازمة مثل الأثاث والأدوات الكهربائية والمنزلية، وبالتالي يستلزم ذلك استهلاك إضافي للمياه والكهرباء والغاز الطبيعي والمواصلات وجميع هذه الخدمات مكلفة لأنها مدعومة من الدولة، إضافة لما يتركه العنف الأسري من اثارمرضية(جسدية ونفسية) على ضحايا العنف الأسري تتسبب في ضعف وتدهورالكفاية الانتاجية ،وقد أكدت بعض الدراسات انهيار الكفاءة الانتاجية للموظف بعد حدوث العنف الأسري إلى أقل من 50 %، قد تصل في بعض الحالات إلى انعدامها ،وهناك دراسات أجريت في بلدان مختلفة لتقدير التكاليف الإجمالية الاقتصادية للعنف الأسري- مع غياب الدراسات المماثلة في المملكة وباقي دول الخليج العربي-،فقد أشارت دراسة أمريكية أجريت عام 2003 إلى أن تكلفة العنف الأسري في الاقتصاد الأمريكي تصل إلى 12.6مليار دولار، وفي دراسة عربية أكدت إحدى الدراسات الصادرة من مركز قضايا المرأة المصرية أن التكاليف الاقتصادية للطلاق-الذي يعد كأحد أخطر آثار العنف الأسري- تصل إلى 15 مليار جنيه مصري تتكبدها الدولة المصرية سنويا.
وعن أبرز الحلول الاقتصادية للوقاية من جريمة العنف الأسري قال السعدون: ” لكي تكون الحلول في هذا المقام ناجحة ومحققة لهدفها، ينبغي أن تنطلق من المصدرين التشريعيين الأساسيين في الإسلام، هما:كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، وأن تتصف بالوقائية التي تعد آثارها الإيجابية في التعامل مع الجرائم أبلغ من الحلول العلاجية –خصوصا على الأمد البعيد- ، ويكفي القول بأن الوقاية من الجرائم ودوافعها من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، ولها دورها الفعال والمؤثر في تعزيز الأَمْنَ بمفهومه الشامل بأقل التكاليف الممكنة.
والذي يعنينا في هذا المقام هو العمل على منع نشوء الدوافع الاقتصادية؛ للوقاية أو الحد من جريمة العنف الأسري، وأضاف السعدون “أن الحل الجذري الذي طالب به العديد من الخبراء الاقتصاديين؛ لمنع نشوء الدوافع الاقتصادية للعنف الأسري -والمتمثلة في أبرزها: الفقر والبطالة والظروف السكنية السيئة- يكمن في العمل على تحويل الأسر الفقيرة إلى أسر منتجة وإيجاد دخل خاص بما يحقق لها الاكتفاء الذاتي، بدلا من تلقي المعونات الشهرية التي لا تكفي لسد احتياجاتها الأساسية في ظل ارتفاع معدل أسعار المعيشة.
وأضاف السعدون: إن الدولة- السعودية تنفق الأموال الطائلة لتحسين معيشة المواطنين خصوصا ذوي الدخل المحدود، ومن ذلك: أنها تنفق أكثر من 16 مليار ريال سنويا على 750 ألف أسرة فقيرة من صندوق الضمان الاجتماعي، وهو مبلغ سيزيد قرابة 3.5 مليارات ريال سنويا، بعد إقرار رفع عدد الأفراد المستفيدين من الضمان في كل أسرة إلى 15 فردا بدلا من 8 أفراد، ولا شك أن هذه المبالغ كبيرة جدا، ولكن تظل فائدتها محدودة في ظل ارتفاع أسعار المعيشة وتزايد نمو السكان، إلا إذا أُعيد النظر في استغلالها في البرامج والمشروعات التنموية الموجهة للأسر الفقيرة، من خلال إنشاء( بنك الأسرة الوطني) تحت إشراف جهة حكومية(لعل وزارة الشؤون الاجتماعية هي الجهة الأنسب) لتبني هذا البنك والإشراف عليه كجهة حكومية.

احدث التعليقات
  • الاكثر قراءة
  • الاكثر تعليق
  • الاكثر ارسالا

(العنف الأسري في السعودية يؤثر سلباً على الاقتصاد)

ارسل "اسم الموضوع" لصديقك.. اكتب بريد صديقك وارسل

ارسل رسالة لرئيس التحرير

جميع الحقول مطلوبة